بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ،
أما بعد ؛
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي
محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة
..
يقول الله تعالى "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ
مِنْهُمْ فَاسِقُونَ"[1] .
فإبراهيم عليه السلام من ذرية نوح عليه السلام وكل الأنبياء من بعد إبراهيم عليه
السلام من ذريته وهو مصداق قوله تعالى " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي
الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ"[2] .
والمشهور عن إبراهيم
عليه السلام أن له من الولد اثنان هما إسماعيل وإسحاق عليهما السلام وهما اللذان
قد ذكرا في القرءان من ولده إلا أن الله تعالى قد ذكر أن لإبراهيم عليه السلام
"أبناء" وذلك في قوله تعالى "وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ
مُسْلِمُونَ"[3]
، فكلمة "بنيه" التي وردت في الآية تحتمل عدة معانٍ وهي :
1-
المعنى الظاهر من اللفظ أن لإبراهيم عليه
السلام "بنين" وهو الذي اخترته واختاره المفسرون كابن كثير رحمه الله.
2-
أن الكلمة تشمل الأحفاد لذلك جاءت جمعاً فقد
دخل في بنيه "يعقوب عليه السلام" الذي ولد لإسحاق في حياة إبراهيم
عليهما السلام ، وهو قولٌ عند المفسرين.
3-
أن كلمة بنيه ذكرت لأنها شملت المسلمين من
العرب من إسماعيل عليه السلام وهذا مصداق
حديث النبي صلى الله عليه وسلم "لَقيتُ إبراهيمَ ليلةَ أُسْريَ بي فقالَ :
يا محمَّدُ ، أقرئ أمَّتَكَ منِّي السَّلامَ وأخبِرْهُم أنَّ الجنَّةَ طيِّبةُ
التُّربةِ عذبةُ الماءِ ، وأنَّها قيعانٌ ، وأنَّ غِراسَها سُبحانَ اللَّهِ
والحمدُ للَّهِ ولا إلَهَ
إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أَكْبرُ"[4].
وقد اخترت المعنى الأول لدليل في كتاب الله تعالى وهو ذكر نبي الله شعيب عليه السلام فقد أرسل لمدين وهو منهم ، ولما كان جميع الرسل والأنبياء من بعد إبراهيم عليه السلام من نسله ، لزم أن يكون شعيباً عليه السلام ابن مدين من نسله. ومدين من العرب البائدة لا ينتسب لإسماعيل عليه السلام ولا هو من بني إسرائيل ، وعليه فإن لإبراهيم عليه السلام من الولد غيرهما وإليه ينتسب شعيب عليه السلام.
والدليل أن شعيباً كان
بعد زمن إبراهيم عليهما السلام هو قوله تعالى "وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ
قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ"[5].
والنصوص التي قد يظهر
منها التعارض هي قوله تعالى "الْحَمْدُ
لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي
لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ"[6] فقد حمد
الله على ولديه ، فلو كان له أكثر منهما لحمد الله على الكل. وكذلك قوله تعالى"أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ
إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي
قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"[7] . فلم
يذكر الأسباط في آبائهم غير إسماعيل وإسحاق عليهما السلام ولو كان لإبراهيم عليه
السلام غيرهما لذُكروا.
عدم الذكر لا يفيد عدم الوجود ، فلما نص القرءان
على كلمة "بنيه" وظاهر معناها
واضح ، وكذلك لما نص على انحصار النبوة في ذرية إبراهيم عليه السلام وما تقدم من
ذكر شعيب عليه السلام ، تبين أن لإبراهيم عليه السلام من الولد غيرهما. فعدم ذكر
غيرهما في الآيات لا يعد نفياً . والمعنى من الآيتين هو ذكر من حمل النبوة من أبنائه عليه السلام وهو واضح لمن تلمَس سياق
الآيتين ، وهو يتضمن رداً على أهل الكتاب الذين أنكروا نبوة إسماعيل عليه السلام
ورموه بالكفر والوحشية والفحش[8] . وقد
يكون غير ذلك.
فالأدلة الثابتة عندنا تبين أن لإبراهيم عليه السلام أكثر من ولد لم يسم الله لنا غير اثنين منهم ، هما إسماعيل وإسحاق عليهما السلام ، ولما رجعنا لكتب أهل الكتاب وجدنا لذلك صدى وتفصيلاً عندهم ومنهم – بني إسرائيل- أخذ المفسرون رحمهم الله بعض التفاصيل وهي على النحو التالي :
ورد في سفر التكوين
الإصحاح الخامس والعشرين ما نصه "ثم عاد إبرَهيمُ واتَّخذَ زوجةً واسمها
قِطورَه ، وولدت له زِمرَنَ ويَقشَنَ ومِدَنَ ومِدْيَنَ ويِشْبَقَ وشُوَّحَ"[9].
وكان ذلك بعد موت زوجه سارة رضي الله عنها حسب ما ورد في الأصحاح الثالث
والعشرين من نفس السفر ، وقد أورد النص ستة من الأبناء لإبراهيم عليه السلام من
هذه الزوجة وهم "زِمرَنَ ويَقشَنَ ومِدَنَ ومِدْيَنَ ويِشْبَقَ وشُوَّحَ"
، ومنهم مدين الذي هو جد شعيب عليه السلام.
وقد اختلف
مفسروا اليهود في "قطورة" على قولين :
1-
أنها زوجة ثالثة [10]، غير
هاجر وسارة رضي الله عنهما ، اسمها قطورة . وهو ظاهر النص وهو الأصوب.
2-
أنها هاجر عليها السلام[11] حيث أعادها إبراهيم إلى كنفه بعد أن كان قد
أرسلها إلى البرّية إلا أنها تسمت ب "قطورة" لأنها تجملت بحفظها لتعاليم
الله فكانت وكأنها تعطرت بها "قطورة اسم مشتق من الرائحة الذكية" والتي أحصنت فرجها عن الرجال حتى عادت لإبراهيم
عليه السلام " قطورة من معنى الإحصان والإغلاق". ولا دليل عليه وظاهر
النص يخالفه.
والله تعالى أعلى
وأعلم ، والحمد لله رب العالمين.
[1] الحديد ، 26.
[2] العنكبوت ، 27.
[3] البقرة ، 132.
[4] رواه الترمذي من حديث عبد الله ابن مسعود رضي
الله عنه ، وحسنه الألباني.
[5] هود ،
89.
[6] إبراهيم ، 39.
[7] البقرة ، 133.
[8] ورد في سفر التكوين (16 : 12) عن إسماعيل عليه
السلام "وهو يكون وحشياً من الناس ، يده في الكل ويد الكل فيه ، وبحضرة جميع
إخوته يسكن" ، ورد في مدراش "برشيت رباّ" (45 :9)
عن ريش لاقيش تفسيراً لمعنى وحشياً ما نصه " لقد كان همجياً بالمعنى الحرفي
للكلمة حيث أن جميع الناس يحصدون الأموال أما هو فيحصد الأرواح" ، وفي نفس
الموضع عن معنى "يده في الكل ويد الكل عليه" يده وكلبه سواء ، فكما أن
الكلب يأكل الجيفة ، فإن يده كذلك تأكل الجيفة". وفي تفسير نص التكوين (21:
9) "ثم رأت ساره ابن هَجَر المصريةَ الذي ولدته لإبرَهيم لاعباً" أورد
نفس المدراش (53 : 11) تفسيراً لكلمة "لاعباً" ما نصه "راباي شمعون
بن يوحاي روى عن الراباي عقيبا أنه كان يفسرها داخلة في معنى عاره (عار إسماعيل) ،
هكذا علِمنا من الراباي عقيبا ..... سارة رأت إسماعيل يغتصب الفتيات ويغوي المحصنات ويزني معهن".
والله تعالى كذبهم ونفى عنه ذلك بضده "
فذكر عنه الحلم والصدق والنبوة ، فقد قال تعالى عنه عليه السلام في سورة مريم" وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ
كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ
بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا" ، وفي سورة
الصافات ، 101 "فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ".
[9] سفر التكوين (25 : 1-2 ).
[10] راجع تفسير ابن عزرا على سبيل المثال لا الحصر.
[11] راجع تفسير الراباي سليمان ابن
اسحاق "راشي" ، والذي اعتمد فيه على مدراش "برشيت ربّا ( 61 : 4).
تم الاعتماد على الترجمة العربية لسعاديا ابن
يوسف الفيومي للتوراة ، وقد قمت بتهذيبها
من الأخطاء قدر الإمكان دون الإخلال بالنص اعتمادا على المرجع :
אלגז אלאול - מן אלתפאסיר ואלכתב ואלרסאיל לרבינו סעדיה בן
יוסף אלפיומי – אכרגהא וצחחהא צחבה גמאעה מן עלמא - אלפקיר אלמפתקר אלי רחמה רבה יוסף דיריגבורג – طبعة Ernest_Leroux
باريس 1893.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق