السبت، 1 أغسطس 2015

لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ؛

فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وإن شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .

يقول تعالى "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ"[1] ؛ فقد  جاء الوحي مخبراً عن كثير مما أنزله الله تعالى على أهل الكتاب قبلنا كما جاء مبيناً لكثير مما اختلفوا فيه ؛ قال تعالى "إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"[2] ، وكثيراً ما جاء علماء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسألوه ويمتحنوا صدق نبوته بسؤاله عن بعض ما أخفوه من العلم أو بعضٍ مما اختلفوا فيه فيما بينهم فينبؤهم بالحق فلا يملكون إلا تصديقه ثم مخالفته وعدم اتباعه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أصحابه ببعض أخبار بني إسرائيل مع ربهم ومع أنبيائهم لتكون لهم ولنا موعظة.

وقد جاءت هذه السلسلة من الرسائل القصيرة تتناول بعض ما جاء به الوحي مخبراً عن بني إسرائيل مع بيان هذا من كتبهم. أسأل الله القبول والسداد والتوفيق.

  • فساد الطعام
قال صلى الله عليه وسلم "لولا بنو إسرائيلَ، لم يخبَثِ الطَّعامُ، ولم يخنَزِ اللَّحمُ"[3] ؛ فلولا حرص بنو إسرائيل وعصيانهم لم يفسد الطعام ولم ينتن اللحم ويفسد ، وقد حكى المفسرون أنَّ بني إسرائيل لمَّا أنزل الله عليهم المن والسلوى نُهوا عن ادخاره فعصوا وادخروه فأنتن ولازال الطعام يفسد وينتن إلى يومنا هذا بسبب عصيانهم وسوء فعلهم.

ولو تتبعنا هذه الحادثة في كتب بني إسرائيل لوجدنا في سفر الخروج[4] ما نصه[5] :
(4) وقال الله لموسى ها أنا منزلٌ لكم طعاماً من السماء يخرج القوم فيلتقطونه أمر يوم بيوم ، لقبل أن أمتحنهم هل يسيرون في شرائعي أم لا (5) فإذا كان اليوم السادس يُصلحون ما يأتون به فإنه يكون ضعفاً على ما يلتقطونه في كل يوم ....... (19) وقال لهم موسى لا يُبق إنسانٌ منه شيئاً إلى الغداة (20) فلم يقبل أُناسٌ[6] من موسى وبقي منه إلى الغداة ونغل دوداً ونتن فسخط عليهم موسى ...... (22) ولمَّا كان في اليوم السادس التقطوا من الطعام ضعفاً مرزبانين لكل واحد فجاء جميع أشراف الجماعة فأخبروا موسى (23) فقال لهم موسى هو ما قال الله؛ هو سبت عطلة مقدس لله جداً ما تريدون أن تخبزوه فاخبزوه وما تريدون أن تطبخوه فاطبخوه وما فضل دعوه لكم محفوظاً إلى الغداة (24) فودعوه إلى الغداة كما أمرهم فلم ينتن ورمة لم تكن فيه (25) فقال موسى كلوه اليوم لأن اليوم سبت لله واليوم لا تجدونه في الصحراء.


حسب ما جاء في النص فإن الله التعالى أخبر موسى عليه السلام أنه منزلٌ على بني إسرائيل المن والسلوى كل يوم بيومه امتحانا لبني إسرائيل في امتثالهم لأوامر الله ونهاهم على لسان موسى عليه السلام أن يدخروا منه إلى اليوم الثاني ، بل يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه وأهله يوماً بيومه إلا أنهم عصوا أمر موسى عليه السلام فادخروا منه إلى اليوم الثاني فأنتن و أخرج الدود ، حينها غضب عليهم موسى عليه السلام. وكان في اليوم السادس – يوم الجمعة – أن المن والسلوى ينزل بمقدار الضعف وأُمروا أن يدخروه للسبت فبقي ولم ينتن ولم يخرج الدود لأنهم ادخروه طاعة وامتثالاً.

ويظهر من هذه القصة بعض خصال بني إسرائيل وهي :
  • دوام مخالفتهم أوامر الله.
  • عدم اليقين بموعود الله بأنه تعالى متكفل بهم وبطعاهم وأنه سيهيء لهم الطريق إلى الأرض المقدسة ، فكما نجاهم من فرعون سينجيهم من الجوع والعطش والمهالك. 
  •  الحرص على الدنيا.  
كما يظهر لنا شؤم المعصية ، فقد امتدت آثار هذه المعصية لتشمل طعام الناس إلى يومنا هذا ، فلا يزال الطعام يفسد وينتن إذا ترك لفترة ما.


والحمد لله رب العالمين.


[1] المائدة 15

  [2]النمل 76

[3] متفق عليه واللفظ لمسلم

[4] سفر الخروج (الإصحاح 16).

[5] ترجمة سعاديا ابن يوسف الفيومي  ، وقد قمت بتهذيبها من الأخطاء قدر الإمكان دون الإخلال بالنص .. انظر :
אלגז אלאול - מן אלתפאסיר ואלכתב ואלרסאיל לרבינו סעדיה בן יוסף אלפיומי אכרגהא וצחחהא צחבה גמאעה מן עלמא - אלפקיר אלמפתקר אלי רחמה רבה יוסף דיריגבורג   طبعة  Ernest_Leroux  باريس 1893.

[6]   يظهر في هذا الموضع سمة من سمات ترجمة سعاديا ؛ حيث اتباعه للمتوارث عندهم من التفاسير فقد أورد الترجمة موافقة لما جاء في المدراش المعروف ب "مخيلتا الراباي إسماعيل" بأن الذين خالفوا موسى كانوا قلة ضعيفة الإيمان ولم تكن الغالبية من بني إسرائيل ، إلا أن النص العبري يفيد العكس حيث جاء "(19) וַיֹּאמֶר מֹשֶׁה אֲלֵהֶם אִישׁ אַל־יוֹתֵר מִמֶּנּוּ עַד־בֹּקֶר (20) וְלֹא־שָׁמְעוּ אֶל־מֹשֶׁה וַיּוֹתִרוּ אֲנָשִׁים מִמֶּנּוּ עַד־בֹּקֶר" وترجمته الحرفية " (19) فقال موسى إليهم لا يدخر منه رجلٌ إلى الصباح (20) فلم يسمعوا لموسى وادخر منه أناسٌ إلى الصباح".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق