بسم الله والصلاة والسلام
على رسول الله ، أما بعد ؛
فإن أصدق الحديث كلام الله
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ،
وكل بدعة ضلالة.
يعلم المسلمون يقيناً أن الله تعالى قد جعل ذكر
نبيه صلى الله عليه وسلم في كتب الأولين ، منها كتاب اليهود والنصارى ، وبيَّن
الوحي بعض ذلك ، وقد آمن بعض علماء اليهود
زمن النبي صلى الله حين رأوا انطباق ما عندهم من أمارات عليه ؛ منهم عبد الله ابن سلام رضي الله عنه ، وكفر
بعضهم كبراً وحسداً وحرصاً على الدنيا ، وذِكر ذلك يطول وليس هذا محله .. وقد أخبرنا
الله تعالى في القرءان أن اليهود خانوا العهد والميثاق وأخفوا العلم الذي عندهم
وحرفوا كتبهم ، وقد نالت صفة النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم النصيب الأكبر من
هذا التحريف ، وقد أنكر أهل الكتاب ذلك طويلاً
، وزعموا أن كتبهم لم يتغير فيها حرف ، إلا أن الحال يشهد بغير ذلك ، وقد
أيقن علماؤهم منذ زمن قريب أن الكتاب الذي بين أيديهم إنما هو بقايا حق ، وشرعوا
في وضع القواعد للوصول بنص كتابهم لأصح صورة ، وهو ما يسمى ب "علم النقد
النصي". وقد كثرت الاكتشافات في القرنين الماضيين ، وظهرت الكثير من
المخطوطات والنسخ المتباينة ، ورأينا نصوصاً مختلفة ، وأسفاراً كانت ضائعة
"أو مُضيَّعة".. ومن هذه الاكتشفات ؛ مخطوطات قمران والتي بدأ الكشف
عنها في منتصف القرن الماضي ، ونالت النصيب الأكبر من دراسات النقد للعهد القديم
منذ اكتشافها وإلى يومنا هذا.
ومما تم الكشف عنه في
قمران ؛ مجموعة من التفاسير السياقية ؛ وهو أن يأتي التفسير في سياق النص لحمة
واحدة ، ويفصل بين التفسير والنص غالباً عبارات مثل "כאשר כתוב = كما هو مكتوب" وهي تسبق النص الكتابي مباشرة ،
"פשרו = تفسيره" وهي تسبق التفسير مباشرة . وأكثر
التفاسير التي تم الكشف عنها من هذا النوع ؛ تفاسير سفر إشعياء ، والتي حملت كلها
المنحى الأخروي أو المستقبلي ، فجاءت التفاسير لتبين حال بني إسرائيل في آخر
الأيام ، وكثرت عبارات مثل "אחרית הימים = آخر
الأيام" في هذه التفاسير .. وظهرت أشخاص هي محور الأحداث غالباً في هذا النوع من النصوص والذي يحمل الطابع "المسياني" ، مثل "מורה הצדק = المعلم الصالح"
، "איש הכזב = رجل الكذب" ، "הכוהן הרשע = الكاهن الشرير" ، "בני אור = أبناء النور"... وغيرها. ولسوء الحظ ؛ كثير من
هذه المخطوطات التفسيرية متهالك يفتقد السياق الواضح والمعنى الظاهر ..
وجاءت هذه الرسالة لبيان
إحدى هذه المخطوطات التفسيرية لسفر إشعياء وهي "4Q163" ، وقد
ترددت كثيراً قبل كتابة الرسالة ؛ بسبب تهالك الجزء الذي سأتناوله في الشرح ، وأن
بيان ما فيه إنما يعتمد على ألفاظ تفتقد السياق ، وهو مخالف لمنهجي في البحث والاستدلال
، إلا أن ورود هذه الألفاظ مجتمعة في مخطوطة واحدة ؛ وإن كانت متهالكة فاقدة
للسياق ؛ يضع كثيراً من التساؤلات والاحتمالات ، وذكرها نفعه أكبر من ضرره.
تعريف بالمخطوطة :
أول ما نُشرت هذه المخطوطة
؛ كان في العدد الخامس[1] من
سلسلة "Discoveries of the Judean desert" (DJD V) ، ثم توالى
نشرها في كثير من الكتب والسلاسل[2] ، وقد
اخترت أن أنقل من الأصل وهو (DJD V) بنفس ترقيمه للقطع ، مع وضع أحدث صور للمخطوطة
وبيان الألفاظ التي وردت في مواضعها :
نشرت المخطوطة في 57
قطعة متهالكة ، منها الكبيرة نسبياً تحمل
بعض الأسطر ، ومنها الصغيرة التي لا يُرى منها إلا حرفٌ أو حرفان
وتناولت المخطوطة تفسير
إشعياء كاملاً "على مايبدو" ، فالنصوص التي تناولتها القطع هي (الإصحاح
الثالث ترجيحاً (القطعة 1) : حتى الإصحاح الثاني
والثلاثين ( القطعة 26) ، وربما الثالث والثلاثين ترجيحاً (القطعة 27)) وباقي
القطع (28 -57) لا يمكن تحديد النصوص التي تناولتها ، ولو على وجه الترجيح ؛
لصغرها وتهالكها الشديد .. ومع الافتراض أن المخطوطة تناولت تفسير السفر كاملاً ..
فيمكننا القول أن القطع (28 -57) تناولت بشكل تقريبي النصوص من الإصحاح الثالث
والثلاثين إلى آخر السفر.
وعملنا في هذه الرسالة إنما هو على القطع ( 29 ، 30 ، 32 ، 50) وهي من القطع التي تفتقد السياق ، مع محاولة توضيح السياق الذي جاءت فيه هذه الكلمات محل البحث عن طريق القطع المجاورة لها.
وعملنا في هذه الرسالة إنما هو على القطع ( 29 ، 30 ، 32 ، 50) وهي من القطع التي تفتقد السياق ، مع محاولة توضيح السياق الذي جاءت فيه هذه الكلمات محل البحث عن طريق القطع المجاورة لها.
فيما يلي عرض الصفحات التي
تناولت القطع المذكورة محل الدراسة من المرجع
المذكور (DJD V):
وهذا الجدول يبين اختلاف
ترقيم القطع في الكتاب عن أحدث صور للمخطوطة والتي نشرت في جزئين[3] :
DJD V
|
أحدث صور للمخطوطة (هيئة الآثار الإسرائيلية)[4] –
الجزء الثاني
|
26
|
10
|
27
|
6
|
28
|
7
|
29
|
11
|
30
|
9
|
31
|
8
|
32
|
12
|
50
|
31
|
وهذه هي صورة الجزء الثاني
من المخطوطة بكل قطعها (35 قطعة) معاً مؤشراً عليها :
وهذه صور القطع محل البحث
بشكل تتابعي: بترتيب المطبوع (29 ، 30 ، 32 ، 50 ) أو ترتيب الصورة (11 ، 9 ، 12 ،
31) :
القطعة 29 :
تم قراءتها كالتالي :
]ו בכה[ = بكه
]לה היא[
]מה פשרו[
وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :
]. بَكَى[
].. هي[
].. تفسيره[
القطعة 30 :
]ה בכא ל[ = بكا
הכ]והן הרשע[
]הואה[
]ב מ[.]כי[
وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :
]....[
]. شجرة البَكَا .[
الك]اهن الشرير[ = الكاهن الشرير
]هو[
]. م[ل]وك = ملوك
القطعة 32 :
]דת הא[
]א[
وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :
]مشتهى[
].. ال[
]..[
القطعة 50 :
وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :
]...[
]. الأم[م = الأمم
محاولة فهم السياق :
بالعودة إلى صفحتي المرجع ؛ نجد أن :
القطعة 31 في المطبوع ( 8 حسب صورة المخطوطة) تم قراءتها:
]יחיה[
]אדם[
]ים עש[
]ו מוריש[
א]רץ [
ما ترجمته :
]يحيى[ = سيحيى
]رجل[
].. ..[
]. طارد[ = يطرد
أ]رض [
وبالنظر إلى القطع المتاجورة بترتيب المطبوع (29 ، 30 ، 31 ، 32) أو بترتيب الصورة ( 11، 9 ، 8 ، 12 ) ؛ فإننا نجد هذه الكلمات التي تدلنا بشكل ما على السياق :
29 (بكه) ، 30 (بكا ، الكاهن الشرير ، ملوك ) ، 31 (يحيى ، رجل ، طارد ، أرض) ، 32 (محمد)
فعبارة (الكاهن الشرير) تؤكد لنا أن السياق أخروي مستقبلي ، فهي إحدى الشخصيات التي لعبت دوراً هاماً في الحديث عن آخر الأيام في تفاسير أهل قمران ، إلى جانب (المعلم الصالح) ، مع التذكير بكون هذا السياق التفسيري موضعه في الإصحاحات التي تلت الإصحاح الثالث والثلاثين.
ملخص ذلك في هذه الصورة المكبرة للقطع المتاجورة بأرقام التصوير :
لم أسع إلى جدل لغوي في معاني الألفاظ ، فقد كُتب عنها الكثير في أبحاث المسلمين ، وردود أهل الكتاب عليها أكثر .. ولكن ما أردت التنويه عليه هو : أن هذه الكلمات وردت في تفسير نصوصٍ تقع بعد الإصحاح الثالث والثلاثين من إشعياء ، ومن هذه الإصحاحات بلا شك الإصحاح الجدلي (الثاني والأربعون) ، والذي صح عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص وغيره ، ككعب الأحبار وعبد الله ابن سلام رضي الله عنهم ، أن هذا النص إنما ورد في ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأورَدتْ بعضُ الرورايات زيادات منها اسم النبي صلى الله عليه وسلم صراحة ، ومبعثه مكة.
وورود هذه الألفاظ (بكه ،
بكا ، محمد ، لِأُومّيم) إنما يضع الكثير من التساؤلات ، فكل كلمة من هذه الكلمات دار
حولها جدل كبير في سياقها ؛ ككلمة (بكا) في المزمور الرابع والثمانين ، وكلمة
(محمديم) في الإصحاح الخامس من نشيد الإنشاد ، فكيف إن اجتمعن معاً في سياق واحد
يتحدث عن مستقبل الأحداث ؟! هل لازال هناك محل للجدل حول معانيها ؟ لو سألنا أي دارس لعلم الاحتمالات
الرياضية وعرضنا عليه هذه الكلمات ، فما يا ترى سيكون رده ؟
من سوء الحظ أننا لا نملك السياق ، وإلا لكان الأمر قطعياً لا شك فيه ، ومن حسن حظنا أن هذه المخطوطة تم الحصول عليها قبل سيطرة الصهاينة على المخطوطات .. وإلا لكان الأمر قد ضاع كليةً
الحمد
لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[1] J. M. Allegro with A. A. Anderson, Qumrân Cave 4.I (4Q158–4Q186) (
DJD V ; Oxford: Clarendon,
1968). xii + 111 pp. + xxxi plates.
[2] نشرت الكثير من الكتب التي
تناولت مخطوطات قمران وتصنيفاتها ، إلا أنني اعتمدت على الأصل الذي اعتمدت عليه
الكتب التي تلته في النشر.
[3] الجزء الثاني يتناول القطع (21 – 57 : حسب ترقيم
DJD V) بترقيم (1 : 35 مع ترتيب مختلف
تم بيان بعضه في الجدول بالأعلى).
[5] وردت هذه الكلمة في المعاجم بمعنى
"الأمم" ، ووردت في مواضع عدة في الكتاب اليهودي وهي قريبة في نطقها من
كلمة (الأميين) وتحمل نفس معناها ؛ وهي الأمم التي لم تؤتى كتاباً من غير بني إسرائيل
منهم العرب ، ومن الجدير بالذكر أيضاً ؛ أنه
حسبما ورد في التكوين 25 : 3 .. فإن من أبناء ددان ؛ لأوميم .. وددان هي القبيلة
العربية التي سكنت شمال الجزيرة وقراها ، كتيماء ، وهي القبيلة التي جاءها الخطاب
في إشعياء 21 : 13 لاستقبال الهارب إلى بلادهم (تيماء) في أرض العرب.












ممتاز
ردحذفجزاكم الله خيراً
حذفاللمحة الأخيرة في آخرالمقال قوية .
ردحذفحبذا لوبدأتم بها مدخل المقال لينتفع غيرالمتخصصين
جزاكم الله خيراً على النصيحة ، سأعمل على ذلك بإذن الله
حذفحبيبنا من هو الكاهن الشرير في هذا البحث
ردحذف