الخميس، 7 يناير 2016

مخطوطات قمران "اسم الرسول ومبعثه وأمته في مخطوط واحد"


 بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد ؛
فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة.
 يعلم المسلمون يقيناً أن الله تعالى قد جعل ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم في كتب الأولين ، منها كتاب اليهود والنصارى ، وبيَّن الوحي بعض ذلك ، وقد آمن  بعض علماء اليهود زمن النبي صلى الله حين رأوا انطباق ما عندهم من أمارات عليه  ؛ منهم عبد الله ابن سلام رضي الله عنه ، وكفر بعضهم كبراً وحسداً وحرصاً على الدنيا ،  وذِكر ذلك يطول وليس هذا محله .. وقد أخبرنا الله تعالى في القرءان أن اليهود خانوا العهد والميثاق وأخفوا العلم الذي عندهم وحرفوا كتبهم ، وقد نالت صفة النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم النصيب الأكبر من هذا التحريف ، وقد أنكر أهل الكتاب ذلك طويلاً  ، وزعموا أن كتبهم لم يتغير فيها حرف ، إلا أن الحال يشهد بغير ذلك ، وقد أيقن علماؤهم منذ زمن قريب أن الكتاب الذي بين أيديهم إنما هو بقايا حق ، وشرعوا في وضع القواعد للوصول بنص كتابهم لأصح صورة ، وهو ما يسمى ب "علم النقد النصي". وقد كثرت الاكتشافات في القرنين الماضيين ، وظهرت الكثير من المخطوطات والنسخ المتباينة ، ورأينا نصوصاً مختلفة ، وأسفاراً كانت ضائعة "أو مُضيَّعة".. ومن هذه الاكتشفات ؛ مخطوطات قمران والتي بدأ الكشف عنها في منتصف القرن الماضي ، ونالت النصيب الأكبر من دراسات النقد للعهد القديم منذ اكتشافها وإلى يومنا هذا.
ومما تم الكشف عنه في قمران ؛ مجموعة من التفاسير السياقية ؛ وهو أن يأتي التفسير في سياق النص لحمة واحدة ، ويفصل بين التفسير والنص غالباً عبارات مثل "כאשר כתוב = كما هو مكتوب" وهي تسبق النص الكتابي مباشرة ، "פשרו = تفسيره" وهي تسبق التفسير مباشرة . وأكثر التفاسير التي تم الكشف عنها من هذا النوع ؛ تفاسير سفر إشعياء ، والتي حملت كلها المنحى الأخروي أو المستقبلي ، فجاءت التفاسير لتبين حال بني إسرائيل في آخر الأيام  ، وكثرت عبارات مثل "אחרית הימים =  آخر الأيام" في هذه التفاسير .. وظهرت أشخاص هي محور الأحداث غالباً في هذا النوع من النصوص والذي يحمل الطابع "المسياني" ، مثل "מורה הצדק = المعلم الصالح"  ، "איש הכזב = رجل الكذب" ، "הכוהן הרשע = الكاهن الشرير" ، "בני אור = أبناء النور"... وغيرها. ولسوء الحظ ؛ كثير من هذه المخطوطات التفسيرية متهالك يفتقد السياق الواضح والمعنى الظاهر ..
وجاءت هذه الرسالة لبيان إحدى هذه المخطوطات التفسيرية لسفر إشعياء وهي "4Q163" ، وقد ترددت كثيراً قبل كتابة الرسالة ؛ بسبب تهالك الجزء الذي سأتناوله في الشرح ، وأن بيان ما فيه إنما يعتمد على ألفاظ تفتقد السياق ، وهو مخالف لمنهجي في البحث والاستدلال ، إلا أن ورود هذه الألفاظ مجتمعة في مخطوطة واحدة ؛ وإن كانت متهالكة فاقدة للسياق ؛ يضع كثيراً من التساؤلات والاحتمالات ، وذكرها  نفعه أكبر من ضرره.

تعريف بالمخطوطة :
أول ما نُشرت هذه المخطوطة ؛ كان في العدد الخامس[1] من  سلسلة "Discoveries of the Judean desert" (DJD V) ، ثم توالى نشرها في كثير من الكتب والسلاسل[2] ، وقد اخترت أن أنقل من الأصل وهو (DJD V)  بنفس ترقيمه للقطع ، مع وضع أحدث صور للمخطوطة وبيان الألفاظ التي وردت في مواضعها :
نشرت المخطوطة في 57 قطعة  متهالكة ، منها الكبيرة نسبياً تحمل بعض الأسطر ، ومنها الصغيرة التي لا يُرى منها إلا حرفٌ أو حرفان
وتناولت المخطوطة تفسير إشعياء كاملاً "على مايبدو" ، فالنصوص التي تناولتها القطع هي (الإصحاح الثالث  ترجيحاً (القطعة 1) : حتى الإصحاح الثاني والثلاثين ( القطعة 26) ، وربما الثالث والثلاثين ترجيحاً (القطعة 27)) وباقي القطع (28 -57) لا يمكن تحديد النصوص التي تناولتها ، ولو على وجه الترجيح ؛ لصغرها وتهالكها الشديد .. ومع الافتراض أن المخطوطة تناولت تفسير السفر كاملاً .. فيمكننا القول أن القطع (28 -57) تناولت بشكل تقريبي النصوص من الإصحاح الثالث والثلاثين إلى آخر السفر.

وعملنا في هذه الرسالة إنما هو على القطع ( 29 ، 30 ، 32 ، 50) وهي من القطع التي تفتقد السياق ، مع محاولة توضيح السياق الذي جاءت فيه هذه الكلمات محل البحث عن طريق القطع المجاورة لها.
فيما يلي عرض الصفحات التي تناولت القطع المذكورة محل الدراسة  من المرجع المذكور (DJD V):






وهذا الجدول يبين اختلاف ترقيم القطع في الكتاب عن أحدث صور للمخطوطة والتي نشرت في جزئين[3]  :

DJD V
أحدث صور للمخطوطة (هيئة الآثار الإسرائيلية)[4] – الجزء الثاني
26
10
27
6
28
7
29
11
30
9
31
8
32
12
50
31

وهذه هي صورة الجزء الثاني من المخطوطة بكل قطعها (35 قطعة) معاً مؤشراً عليها :





وهذه صور القطع محل البحث بشكل تتابعي:  بترتيب المطبوع (29 ، 30 ، 32 ، 50 ) أو ترتيب الصورة (11 ، 9 ، 12 ، 31) :

القطعة  29 :








تم قراءتها كالتالي :
]ו בכה[   = بكه
]לה היא[
]מה פשרו[

وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :

]. بَكَى
].. هي[
].. تفسيره[


القطعة 30 :


 تم قراءتها كالتالي :
]את[
]ה בכא ל[   = بكا


הכ]והן הרשע[

]הואה[
]ב מ[.]כי[

وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :

]....[
]. شجرة البَكَا .[
الك]اهن الشرير[   = الكاهن الشرير
      ]هو[
]. م[ل]وك   = ملوك


القطعة 32  :






تم قراءتها الكتالي :

]מחמד[      = محمد
]דת  הא[
]א[

وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :

]مشتهى[
].. ال[
]..[


القطعة 50 :



 


تم قراءتها كالتالي:

]...[
]א לאומי[ם[5]     =  لِأُومّيم

وترجمتها (كما ترجمتها مراجعهم) :

]...[
]. الأم[م    = الأمم




محاولة فهم السياق :

بالعودة إلى صفحتي المرجع ؛ نجد أن :

القطعة 31 في المطبوع ( 8 حسب صورة المخطوطة)  تم قراءتها:


]יחיה[

]אדם[
]ים עש[
]ו מוריש[
א]רץ [
 

ما ترجمته :

]يحيى[ = سيحيى
]رجل[
].. ..[
]. طارد[  = يطرد
أ]رض [

 وبالنظر إلى القطع المتاجورة بترتيب المطبوع (29 ، 30 ، 31 ، 32)  أو بترتيب الصورة ( 11، 9 ، 8 ، 12 ) ؛ فإننا نجد هذه الكلمات التي تدلنا بشكل ما على السياق :

29 (بكه) ، 30 (بكا ، الكاهن الشرير ، ملوك ) ، 31 (يحيى ، رجل ، طارد ، أرض)  ، 32 (محمد)

 فعبارة (الكاهن الشرير) تؤكد لنا أن السياق أخروي مستقبلي ، فهي إحدى الشخصيات التي لعبت دوراً هاماً في الحديث عن آخر الأيام في تفاسير أهل قمران ، إلى جانب (المعلم الصالح) ، مع التذكير بكون هذا السياق التفسيري موضعه في الإصحاحات التي تلت الإصحاح الثالث والثلاثين.

 

ملخص ذلك في هذه الصورة المكبرة للقطع المتاجورة بأرقام التصوير :


الخلاصة :

لم أسع إلى جدل لغوي في معاني الألفاظ ، فقد كُتب عنها الكثير في أبحاث المسلمين ، وردود أهل الكتاب عليها أكثر .. ولكن ما أردت التنويه عليه هو : أن هذه الكلمات وردت في تفسير نصوصٍ تقع بعد الإصحاح الثالث والثلاثين من إشعياء ، ومن هذه الإصحاحات بلا شك الإصحاح الجدلي (الثاني والأربعون) ، والذي صح عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص وغيره ، ككعب الأحبار وعبد الله ابن سلام رضي الله عنهم ، أن هذا النص إنما ورد في ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأورَدتْ بعضُ الرورايات زيادات منها اسم النبي صلى الله عليه وسلم صراحة ، ومبعثه مكة.
وورود هذه الألفاظ (بكه ، بكا ، محمد ، لِأُومّيم) إنما يضع الكثير من التساؤلات ، فكل كلمة من هذه الكلمات دار حولها جدل كبير في سياقها ؛ ككلمة (بكا) في المزمور الرابع والثمانين ، وكلمة (محمديم) في الإصحاح الخامس من نشيد الإنشاد ، فكيف إن اجتمعن معاً في سياق واحد يتحدث عن مستقبل الأحداث ؟! هل لازال هناك محل للجدل حول معانيها ؟ لو سألنا أي دارس لعلم الاحتمالات الرياضية وعرضنا عليه هذه الكلمات ، فما يا ترى سيكون رده ؟ 

من سوء الحظ أننا لا نملك السياق ، وإلا لكان الأمر قطعياً لا شك فيه ، ومن حسن حظنا أن هذه المخطوطة تم الحصول عليها قبل سيطرة الصهاينة على المخطوطات .. وإلا لكان الأمر قد ضاع كليةً



الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.





[1]  J. M. Allegro with A. A. Anderson, Qumrân Cave 4.I (4Q158–4Q186) ( DJD V ; Oxford: Clarendon, 1968). xii + 111 pp. + xxxi plates.
[2]  نشرت الكثير من الكتب التي تناولت مخطوطات قمران وتصنيفاتها ، إلا أنني اعتمدت على الأصل الذي اعتمدت عليه الكتب التي تلته في النشر.
[3]  الجزء الثاني يتناول القطع (21 – 57 : حسب ترقيم DJD V) بترقيم (1 : 35 مع ترتيب مختلف تم بيان بعضه في الجدول بالأعلى).
[5]  وردت هذه الكلمة في المعاجم بمعنى "الأمم" ، ووردت في مواضع عدة في الكتاب اليهودي وهي قريبة في نطقها من كلمة (الأميين) وتحمل نفس معناها ؛ وهي الأمم التي لم تؤتى كتاباً من غير بني إسرائيل منهم العرب ،  ومن الجدير بالذكر أيضاً ؛  أنه حسبما ورد في التكوين 25 : 3 .. فإن من أبناء ددان ؛ لأوميم .. وددان هي القبيلة العربية التي سكنت شمال الجزيرة وقراها ، كتيماء ، وهي القبيلة التي جاءها الخطاب في إشعياء 21 : 13 لاستقبال الهارب إلى بلادهم (تيماء) في أرض العرب.

هناك 5 تعليقات:

  1. اللمحة الأخيرة في آخرالمقال قوية .
    حبذا لوبدأتم بها مدخل المقال لينتفع غيرالمتخصصين

    ردحذف
    الردود
    1. جزاكم الله خيراً على النصيحة ، سأعمل على ذلك بإذن الله

      حذف
  2. حبيبنا من هو الكاهن الشرير في هذا البحث

    ردحذف